نزلاء مستشفى حمد في غزة يروون لـ الشرق قصص وفاء قطر في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

1 طفلة تتعالج في المستشفى

غزة/ خاص صحيفة الشرق القطرية

يصادف التاسع والعشرون من نوفمبر من كل عام، يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني، الذي عانى ويلات العدوان الإسرائيلي وما خلّفه من حصار أثّر على كل مناحي الحياة، فلطالما احتاجت فلسطين من يسندها ويخفّف عنها شيئًا من جراحاتها، ليبرز دور دولة قطر جليًّا في التضامن مع الشعب الفلسطيني، والذي امتدّ ليشمل كل القطاعات وما زال مستمرًا حتى اليوم.

ولعل مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية واحدةٌ من أهم أوجه التّضامن المتعدّدة مع الشعب الفلسطيني، حيث أنشئت في وقتٍ هو بأمس الحاجة فيه إليها، لتقدّم خدمةً مجّانيةً هي الأكفأ والأجود، بتمويل من صندوق قطر للتنمية.

“الشرق” تروي قصص بعضٍ من نزلاء المستشفى الذين كانت قطر بالنسبة لهم “المنقذ” و “حبل النجاة” وفق تعبيرهم بعد المرور بمراحل من اليأس وفقدان الأمل:

هبة صالحة شابة تبلغ “27”عامًا، تعرضت لجلطةٍ أصابتها بشللٍ نصفي، ما ترك بداخلها آثاراً نفسيةً سيئة، تروي “للشرق” بعد أن وصَلَتْ لمرحلةٍ استعادت فيها حيويتَها والكثير من حركتِها:” تكالبت عليّ الظروفُ والضغوطات النفسيّة في البيت، ولا أخفيكم سراً أن الوضع المادي كان السبب الأوّل في ما مررتُ به، فأنا شابةٌ لم أكمل الدراسة الجامعية بسبب عدم توفر المال”.

أمل بعد الدموع

وتضيف: “ثم إنني أحب التصوير ولَدَيَّ شغفٌ كبيرٌ به، لكن والدي لا يملك أن يحضر لي كاميرا ولا حتى هاتفاً نقالاً بكاميرا جيدة، علها تفتح أمامي باباً للعمل وتكون مشروعي الخاص، بل إن أبي بالكاد يوفر قوت يومنا ويوم أخي المتزوج والذي يملك عائلة لكنه لا يعمل”.

تشعر هبة أن سنوات عمرها تمرّ بلا قيمة، ما جعلها تنظر للحياة بكآبة، فلا تضع رأسها على وسادة ليلها إلا وتنحدر دموعُها لتفيق في ذلك اليوم وقد أصيبت بالجلطة.

زاد الأمرُ سوءاً حين تمّ نقلها لإحدى مستشفيات غزة ومكثت فيها أسبوعين لتقضيها ما بين الأدوية والمحاليل دون أن تشعر بتحسّن. تعلق: “فقدت الأمل بالنجاة وتخيّلت أنني سأعيش بقية حياتي على كرسي متحرك وأنا ما زلت في العشرينات إلى أن تمّ تحويلي لمستشفى حمد وتحديداً قسم التأهيل، ويا لحسن حظي”.

وتقول: “منذ أول يومٍ دخلت فيه للمشفى شعرت باختلافٍ كبير، وتحسنٍ أكبر، ما بين العلاج الطبيعي المستمر، ولطف المعاملة، وتنظيم كل الأمور وترتيبها، إنني في أفضل مستشفى على الإطلاق”.

وتضيف: “الصحة كنزٌ عظيم، لكن الأعظم من هذا الكنز هو من يعيده لك بعد أن تراه قد ضاع منك وانتهى للأبد، وهذا ينطبق على حالتي التي عشتها، لقد أعادت قطر لي الأمل في الحياة والحركة من جديد، أعادت لي كنزي المتمثل في صحتي”.

عودة للحياة الطبيعية

الحال شبيهُهُ عاشته الشابة بيسان نصيو -26 عاماً- التي بدأ المرض معها حين شعرت بثقلٍ غريبٍ في بطنِها، لتقوم بالفحص وتكون نتيجة التشخيص غدة فوق النخاع الشّوكي.

كانت بيسان تمارس بعض حركات التمرين على أحد الأجهزة الخاصة بالتأهيل برفقة الأخصائية فيما تحدثت والدتها “للشرق”: “كانت أصعب أيامٍ مررنا بها في حياتِنا، فبيسان شابةٌ ذكية قويةٌ ومُعلّمة، لكن المرض يُضعِف الإنسان ويُربِكه وهذا ما حدث معها، بعد أن أجرت عملية طارئة وتم فيها استئصال الغدة، ثم تم تحويلها لمستشفى حمد”.

وتوضح: “كنا حينها نستعد لبناء بيتٍ جديد، لكننا توقفنا عن ذلك بتوقّف بيسان عن الابتسام والحديث، لقد اسودّت الدنيا في عينيها، لم تعد تردّ على اتصالات إخوتها على الهاتف، ولم تعد تريد أن ترى أحدًا أمامها، إلى أن بدأت بالعلاج في مستشفى حمد”.

تحسّنت بيسان بشكل واضح، متابعة حثيثة في المستشفى وعلاجٌ مميز وطمأنينة ومعاملة لطيفة وأخلاق عالية، جميعها أعادت لها ابتسامتها، وفق تعبير والدتها معلقةً: “أصبحَتْ تُجيب على اتصالات إخوتها، وتشاركهم الرأي في أمور البيت قيد البناء والإنشاء، لقد عدنا لبنائه بعودة ابتسامتها”.

وتختم: “أنا ممنونةٌ لقطر التي أقامت مثل هذا الصرح الصحي العظيم بقطاعِنا المُحاصر، إنها بلسمٌ لجراحِنا، وتستحق كل الخير”.

حبل النجاة

أما الطفلة زينا السلفيتي ابنة الخامسة، فقد حظيت بزراعة قوقعة في مستشفى حمد، بعد أن أصيبت والدتها بحالة نفسيةٍ سيئة نتيجة إحباطٍ ويأسٍ كبيرين، دفعاها للاستياء من كل شخصٍ كان يبدأ في الحديث عن مشكلة صغيرتها زينا.

تروي أم زينا “للشرق”: “وُلِدت ابنتي طبيعية تسمع بوضوح وقد نطقت بعمر العام بعض الكلمات، لكنها تعرضت لحمى في تلك الفترة، أدّت على ما يبدو فيما بعد لفقدانها السمع، وفق ما أوضح الأطباء”.

وتقول: “شهران أمضيتهما أتأكّد مما إذا كانت زينا لديها مشكلة في السمع أم لا، حيث كنت أناديها فلا تردّ، وقد تأكّدت، وبدأت رحلة الفحص والتشخيص التي كنت في كل خطوةٍ منها أشعر بالانهيار”.

وتضيف:” تأكّد أمر فقدانها بالتشخيص الطبي، وتم تركيب سماعات لزينا مدة 6 أشهر، لم تكن مفيدةً لها، حتى علمتُ بمستشفى حمد، ذهبت إليه وقلبي محروق، ومع الفحص الجديد بكيت بشدة حتى أخبرتني المسؤولةُ هناك أن ابنتي بحاجة إليّ وأن دموعي لن تفيدني، وأن زينا تحتاح لعملية زراعة قوقعة وستتكلل بالنجاح”.

ابتسامة ودمعة

كانت تلك الجملة هي الأولى في استعادة توازن أم زينا لنفسِها، ومرّت الأيام وأجرى أطباء قطر لزينا العملية الناجحة، وأخيراً سمعت زينا صوت والدتِها فابتسمت الصغيرةُ وبكَت الأم فرحًا.

تعبر: “كانت أجمل لحظات حياتي هي تلك التي عرفت فيها أن ابنتي استعادت السمع، ثم النطق مع التدريب والمتابعة الشديدة الدقة والاهتمام للطاقم الطبي في المستشفى”.

واليوم فإن أقرب صديق لزينا هو ذلك الجهاز الذي يعيد لها سمعها بمجرد أن تضعه على أذنِها، تستيقظ من النوم لتذهب إليه فورًا تضعه في مكانه الخاص وتستمع لصباح والدتها الحنون.

تعلق: “كانت قطر حبل نجاتي، ونجاة زينا، فشكراً لها ولأميرها وشعبها، شكراً للمستشفى وإدارتها وطاقمها، شكراً لكل من أعاد البهجة لابنتي، والشكر الأول لصندوق قطر للتنمية المُشغّل لهذا المشفى الرائع”.

استقرار نفسي

أما آدم سالم -18 عاماً- فقد قنصه الاحتلال برصاص متفجر وهو يلقي النظر بحسرةٍ على أراضيه المحتلة الخضراء الشاسعة والتي لا تبعد عنه إلا القليل من الأمتار، فيما ينعم بها المحتل.

يروي “للشرق” وهو يغادر مستشفى سمو الشيخ حمد: “سقطت أرضاً ومنع الجنود المواطنين من سحبي وإسعافي، إذ أطلق الرصاص على كل من حاول الاقتراب مني”.

ويضيف: “تخطّى الجندي السلك الحدود بحماية دورية كبيرة من جنود الاحتلال، وجرّني إليهم وهناك راحوا يضربونني على جرحي حتى فقدت وعيي وأدخلوني مستشفى إسرائيلية”.

بعد أسبوعين أعاد الاحتلال آدم لغزة، وعلى الفور تم بتر رجلِه، ومن بعدها سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وركب ساقاً صناعية. يعلق: “لم تدم طويلًا، لقد تلفت ولم تعد صالحة للاستعمال”.

واليوم ركّب آدم طرفه في مستشفى سمو الشيخ حمد، ووفق قوله “أشعر براحةٍ كبيرة، وسهولةٍ في المشي، واستقرار نفسي”.

حاملة اللواء

وأكّد المدير العام لمستشفى حمد الدكتور رأفت لبد أن “قطر حاملة لواء التضامن مع الشعب الفلسطيني وعلى رأسها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وصاحب الأيادي البيضاء صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة”.

وقال “للشرق”: “وإن كنا لا ننكر فضل الدول التي تتضامن مع الشعب الفلسطيني إلا أننا كلما سمعنا عن التضامن فإن أول ما يتبادر لأذهاننا دولة قطر، لأن دورها مميز ولامع ومختلف”.

وأضاف: “ما يميز تضامن قطر أن دورها عميق وليس سطحياً، وذلك من خلال ارتكازه على التنمية المستدامة، والتي من أهمها التعليم والبنى التحتية والجوانب الصحية وغيرها”.

وأتبع: “حين نلتفت لفلسطين نجد بصمات قطر لا تخلو من أي شارع ومحافظة وحي، وهذه المستشفى من أهم المشاريع التي قدمتها قطر لتقدم الرعاية الصحية لكل محتاجيها بكفاءة عالية ومناسبة لشعبنا وتُجنبه عناء السفر للخارج خاصة في ظل الحصار القائم”.

ومنذ بدأ تشغيل المستشفى التدريجي بتمويلٍ من صندوق قطر للتنمية بتاريخ 22 إبريل 2019، وحتى اليوم، قام المستشفى بتقديم خدمات التأهيل المختلفة لأكثر من (13000) مستفيد، وفي قسم الأطراف الصناعية تم تركيب أكثر من 200 طرف صناعي وجهاز تعويضي ، إلى جانب 180 عملية زراعة قوقعة وغيرها من الخدمات ذات الكفاءة العالية.